ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
614
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
ترفع كربة الشكوى وتشتكي شدة البلوى فمتى تمل إلينا طرفا وتزودنا منك عطفا يؤتك الله فلاحا ، ( 1 ) رزق الله رعيتك منك التحنن وظاهر علينا ( 2 ) منك التمنن . سفيان بن عيينة قال قال لي الرشيد إني عزمت على أن أرى الفضيل بن عياض فقلت له يا أمير المؤمنين إنه رجل قد زهد في الدنيا والناس جميعا فأخاف أن تأتيه فتستخفه ( 2 ) فقال كلا ما عزمت على إتيانه إلا وقد وطنت نفسي على احتمال كلامه يا سفيان إن عز التقوى لا يزاحمه ركنا إمرة ولا خلافة قال سفيان فلقيت الفضيل ولقنته بما قال الرشيد فقال ما أعقله لولا أنه يحب العاجلة ثم قال إني لأحب أن يأتيني وأكره ذلك أما محبتي لأن يأتيني فلعلي أعظه بموعظة ينتفع بها هؤلاء الناس وأما كراهتي بمجيئه فلأني أراه يرقل ( 3 ) في النعم عاريا من الشكر قال ثم أذن فمضيت مع الرشيد إليه وقد اختلط الظلام وعلى الرشيد طيلسان غسيل قد غطى به رأسه فلما هجمنا عليه في بيته وشم الرائحة سمعته يقول اللهم إني أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك المتقين فقلت هذا أمير المؤمنين فرفع طرفه إليه وعيناه تقطر وقال أنت هو يا حسن الوجه ثم وعظه فجعل الرشيد يبكي حتى اشتد نشيجه ( 4 ) فقال له الفضيل ازدد من هذا فما أعرف في هذه الليلة أشد حاجة إليه منك قال ثم وثب إلى صلاته وما كان ذلك إلا لحظ الطائر فلما صرنا إلى بعض الدار قال لي الرشيد يا سفيان ما رأيت التقوى على وجه أحد قط أبين منها في وجه هذا الشيخ ولولا التجشم منك لقبلت بين عينيه فقلت له والله العظيم وددت أن تكون فعلت ذلك فيكتب الله لك ثوابه وأجره فقال إني لأرجو أن يكون قد كتب لي ثوابه بالنية ولو لم أفعل . عن بعض السلف أنه قال لابن عمر بن عبد العزيز ما رأيت رجلا أكرم من أبيك
--> ( 1 ) بعض النسخ [ ويرزقك صلاحا ] . ( 2 ) بعض النسخ [ عليها ] وهو الأنسب هنا وفيما قبل من الضميرين ولولا مخافة التصرف لاثبتناها كذلك في المواضع . ( 2 ) بعض النسخ [ فتستخفيه ] . ( 3 ) أرقل البعير : أسرع . أرقلت النحلة : طالت . وأرقل المفازة : قطعها ولم يوجد معنى آخر والأنسب المعنى الأول ولا يبعد أن يكون يرفل بالفاء يقال : عيش رفل أي واسع . ( 4 ) النشيج : الغص بالبكاء من غير انتحاب أي تنفس شديد .